ومقابل صورة الكبرياء والغطرسة في لامك، نرى أخنوخ "يسير مع الله" ولا يعني هذا القول مجرد أنه عاش حياة تقية، لأن التعبير عن هذا عادة هو "سار أمام الله" أو "سار وراء الله". أما "سار مع الله" فهي تشير إلى حالة نادرة فوق طبيعية من الشركة مع الله. والعبارة تستخدم مرتين فقط في العهد القديم. فنجدها ترد عن نوح (تك6: 9) ثم ترد في (ملا2: 6) في معرض الحديث عن الكهنة. ومن الواضح أن هناك صلة مقصودة بين هذه الدرجة الفريدة من القرب من الله، وبين إعفاء أخنوخ من الموت. ففي انتقال أخنوخ، نرى أنه حيث يسترد الإنسان الشركة مع الله فمن المحتم النجاة من الموت، وإننا لنستطيع أن ندرك معنى السير مع الله، مما ورد في بعض التقاليد اليهودية المتأخرة التي تصور لنا أخنوخ كنبي عظيم خبير بكل الأسرار. ونلاحظ أن الحديث عن نسل قايين يقف عند لامك، بينما يستمر في ذكر قصة أبناء شيث حتى نصل إلى نوح.
أخنوخ ولد متوشالح ومعنى اسمه (عندما يموت سيأتي) أي الطوفان، متوشالح ولد لامك ولامك ولد نوح ومعنى اسمه (الراحة أو المعزي) ولقد قال لامك عند ولادته (هذا يعزينا عن عملنا وتعب أيدينا من قبل الأرض التي لعنها الرب) (تك5: 29). وهنا نجد أن الآباء من أدم حتى نوح تسلموا فكرة الفداء والخلاص تسليم شفهي، وعاشوا هذا الرجاء أن يأتي المعزي كما كان لامك يعتقد أنه سيكون نوح ابنه، ولهذا أطلق عليه هذا الاسم، وهو يشتاق أن يزيح ابنه عن كتفيه ثقل الخطية ولعنتها التي جعلت الأرض التي لعنها الرب لا تعطيهم خبزا إلا بالتعب والكد، والقصة في جملتها تتجه إلي إبراز القصد الإلهي وهو ترك المجال للخطية، والقساوة البشرية حتى يتعاظم عمل النعمة الإلهية.
حتى الصلاح الذي ظل موجوداً لم يكن في إمكانه أن يقف في وجه أمواج الشر العارمة، فلا يذكر أي تأثير لنسل شيث على نسل قايين بل ربما كان العكس صحيحا ففي الوقت الذي بقيت فيه قوة الفداء كما هي، ازدادت قوة الشر وتعاظمت، وبدت على استعداد أن تهاجم قوة الخير الباقية.
عندما رأى أولاد الله بنات الناس أنهن حسنات. فاتخذوا لأنفسهم نساء من كل ما اختاروا. عندما حدثت المصاهرة بين نسلي شيث وقايين، وسيطر الشر على الأرض هددت خطة الخلاص من قبل الأجيال الناتجة من هذا الاختلاط، لقد امتلأت الأرض بالطغاة والجبابرة، فمن الذي يحفظ وعود الله وأحكامه على الأرض؟
(وَرَأَى الرَّبُّ أَنَّ شَرَّ الإِنْسَانِ قَدْ كَثُرَ فِي الأَرْضِ، وَأَنَّ كُلَّ تَصَوُّرِ أَفْكَارِ قَلْبِهِ إِنَّمَا هُوَ شِرِّيرٌ كُلَّ يَوْمٍ) (تك6: 5).
كان لابد من بداية جديدة للعالم، ونهاية لشر الإنسان، وكان نوح الذي وجد نعمة في عيني الرب رجلاً باراً كاملاً في أجياله، "فَقَالَ اللهُ لِنُوحٍ: نِهَايَةُ كُلِّ بَشَرٍ قَدْ أَتَتْ أَمَامِي، لأَنَّ الأَرْضَ امْتَلأَتْ ظُلْمًا مِنْهُمْ. فَهَا أَنَا مُهْلِكُهُمْ مَعَ الأَرْضِ. اِصْنَعْ لِنَفْسِكَ فُلْكًا...) (تك6: 13- 14)... وكان الطوفان.
وكان نوح ابن ست مئة سنة عندما صار الطوفان على الأرض، وبذلك يكون الطوفان في العام 1656 من تاريخ العالم وهو نفس العام الذي مات فيه متوشالح.
